الومضة الرابعة - [5]
رغم أن ما نشره إبراهيم لم يكن أكثر من مجرد خبرٍ عن اختفاء مهندسٍ مغمور؛ إلا أنه استقبل عدة مكالمات أوحت له بأهمية الموضوع وخطورته؛ ولعل أهمها المكالمة التي تلقاها بعد النشر بعشرة دقائق من رئيس تحرير الجريدة؛ يُعنفه فيها عمّا نشره ويبلغه أنه سيتحمل مسؤولية ما قام بنشره وحده؛ كان الخوف هو الشئ الوحيد الذي تلمسه إبراهيم من نبرة صوت رئيس تحرير الجريدة فتأكد أن الأمر ليس هيناً، وتأكد أيضاً أن إنسانا بحاجة إلى مساعدته، وأن هذا يستحق التضحية؛ مهما كلفه ذلك.
ساءل نفسه:
«ما جدوى المقالات الفكرية والفلسفية التي أكتبها إذا لم أكن قادراً على الوقوف بجانب من يحتاجني؟»
أحسّ إبراهيم أن الأمر بات جدياً بشكل مخيف، أدرك أنه ربما لن يستمر في الحياة طويلا بعد أو قبل كشف هذا اللغز.
ساءل نفسه مرة أخرى:
«إلى متى يا إبراهيم؟! كنت دائماً تتعامل برفاهية الوقت، كان عندك يقين أنك ستستمر في الحياة، تفكيرك المنطقي هداك إلى أنك لن تموت إلا بسبب، وأنه لم يوجد سبب لوفاتك بعد؛ ولكن الآن أصبح هناك سبب بدأت بوادره تظهر؛ هل تتراجع أم تستمر؟ ولكن إذا كنت سأموت فلا بـد قبل الموت أن أعلم من أنا ولماذا أنا؟ إذا كانت هذه مرحلة ستنتهي للأبد أم هي كما يقول المؤمنون بداية لحياة جديدة؟! طالما جاء الموت لا بد أن أعرف الحقيقة أو أحاول.»
تنهد تنهيدة طويلة وواصل مسائلا نفسه:
«هل لا زلت تؤمن أنك وُلِدت من العدم للفناء؟ هل ما زلت ترى أنك أصغر من أن تُخلق لغاية معينة؛ وأنك ضئيل للدرجة التي لا يُلتفت معها إليك أو تكلف بمهمة ثقيلة؟ هل ما زلت تؤمن أنك لست إلا نفاية ذرية هبت في الكون في غفلة دون غرضٍ أو غاية؟ كيف هذا؟! كيف تكون حياتك كلها بلا غرض أو غاية بينما موضوع كهذا وجدت أن لك فيه دوراً ربما مهماً؟ هل ما زلت مصرا على إنكار الخالق الذي أنشأك وكلفك بمهمة؟»
ضمّ شفتيه وضغط شفته السفلى بأسنانه وواصل مفكراً:
«لو كان الإنسان يبقى للأبد دون أن تنقطع حياته بما يسمى الموت لكان له حجة أن ينكر وجود الخالق؛ لأن بقاء الإنسان على الدوام قد يدل على أنه استطاع أن يتحكم في مصيره من تلقاء نفسه وأنه لا يحتاج لغيره؛ ولكن الإنسان ينتهي، ونهايته بالموت هي علامة له ليتفكر ويعرف أنه ليس المسيطر على كل شيء.»
أوشكت ظنونه وشكوكه أن تنهار أو تسقط في هوة سحيقة، أحس أنه يعد كشف حساب ختامي لحياته.
أهم ما شغله في هذه اللحظة هو معرفة سبب وجوده.
أخذ يجهز لرحلة الغد، تبادل اتصالات مع وائل ونادر ويوسف ومحمود؛ أكد عليهم ميعاد الغد.. الأربعاء.. وأبلغهم أنه سيحاول حجز شاليه الليلة فإن لم يتمكن فسوف يقومون بحجز شاليه من هناك بعد وصولهم.
حاول الاتصال برقم حاتم مرة أخرى؛ ليطمئن عليه أو منه.
[لم يتم إرسال الاتصال]
ظهرت له هذه الجملة على الشاشة كلما حاول الاتصال برقم حاتم.
باتت الساعة الثانية عشرة بعد منتصف الليل؛ جعل يتصفح المواقع واحداً تلو الآخر بحثاً عن شاليه متاح في مكان قريب من موقع الشاليه المطلوب.
أصابته صدمة ذهلته لما رأى الشاليه المطلوب نفسه متاحاً؛ شاليه الأسد الذهبي كما أحب أن يسميه.
لقد كان مشغولاً منذ ساعات ولمدة تقارب الشهر!
تساءل في نفسه عن السبب الذي جعله متاحاً للحجز الليلة.
«إما أن الدكتور حاتم غادره أو ...»
لم يستطع أن ينطق الاحتمال الثاني فما زال لديه بعض الأمل في أن يستطيع إنقاذه وإنهاء كل شيء.
الوقت ثقيل ويمر ببطء، جعل يتفحص هاتفه كل ثانيتين مرة؛ يبحث عن المستندات التي وعده حاتم بإرسالها قبل أن ينقطع الاتصال.
«لو وصلت هذه المستندات سأتمكن من الإبلاغ عن الواقعة؛ فقط أحتاج دليل، ليته يتمكن من إرسالها.»
قرر أن يتصفح موقع الجريدة ليشاهد ردود الأفعال والتعليقات على خبر كشف لغز اختفاء خالد عبد الرازق الذي نشره منذ قليل؛ ولكنّه صُدم لما وجد خبراً جديداً قد غطى تماماً على الخبر الذي نشره فتيبس جسده وكأنه أصيب بشلل وعينه تنظر منذهلةً ناحية الهاتف المحمول.
[العثور على المهندس خالد عبد الرازق] 8:35م .. السبت 24/12/2022م. كتبه: أحمد جمعه. وردت أنباء بأنه تم العثور على المهندس خالد عبد الرازق في أحد المستشفيات الخاصة حيث كان يتلقى العلاج هناك منذ عدة أسابيع، وتبين أنه كان يعاني من فقدان مؤقت للذاكرة نتيجة تعرضه لحادثة سير، وصرح مدير المستشفى بأن المهندس خالد كان قد دخل المستشفى في حالة متدهورة مما اضطر المستشفى إلى قبول حالته وتحمل التكاليف الخاصة بعلاجه التزاما بمسؤولية إدارة المستشفى والأطباء العاملين فيها تجاه المرضى ذوي الحالات الخطرة؛ وهو البروتوكول الذي دأبت المستشفى على اتباعه، وذلك بجعل الأولوية لحالة المريض الصحية لا سيما الحالات الخطيرة وتقديمها على تكاليف العلاج التي من الممكن الحصول عليها بعد ذلك، وهو المنهج الذي اتبعته مع المهندس خالد رغم عدم إمكانية التعرف عليه وقت دخوله المستشفى وكذلك عدم وجود مرافقين له يتكفلون بنفقات علاجه؛ إلا أن إدارة المستشفى أصدرت قرارا بعلاجه على الفور. كما صرح أحد الأطباء المتابعين لحالته بأنه حاول جاهداً العمل على استعادة المريض لوعيه الكامل وأنه هو الذي أشرف على ذلك بنفسه إلى أن استعاد ذاكرته وتمكن من التعريف بنفسه وفور علمي أنه هو المهندس خالد عبد الرازق المبلغ باختفائه منذ ثلاثة أسابيع قمت بنشر الخبر على صفحتي الخاصة بموقع التواصل الاجتماعي حتى يصل لأسرته، وبالفعل حضرت زوجته وتابعت حالته إلى أن خرج من المستشفى برفقتها. هذا، وقد عاد المهندس خالد إلى بيته حيث كان في استقباله زوجته وأبناؤه وبقية أسرته. وفي هذا الصدد تهنئ الجريدة أسرة المهندس خالد ومجموعة شركات النجم المضيء على عودته سالماً. [جريدة الأيام2022م]
صدمه هذا الخبر الذي لا يعرف من أين جاء ولا كيف تم نشره؛ فهو يعمل بالجريدة ولم يقرأ شيئاً كهذا من قبل؛ ولكن التعليقات على هذا الخبر كثيرة جدا لدرجة أثارت استغرابه؛ وكثير من هذه التعليقات لأناس سعداء بظهور خالد، وكثير منها يوجه الشكر لإدارة المستشفى على عنايتها بمرضاها، وكثير منها يذكر مواقف حدثت معه في هذه المستشفى تحديداً وما لقيه فيها من حسن المعاملة والرعاية؛ لم يكد يفيق من صدمته بهذا الخبر حتى وجد خبرًا آخر.
أنباء عن فقد الاتصال بعالم الآثار الدكتور حاتم سليم. 12.20ص .. الأربعاء 9/8/2023م. كتبه: أحمد جمعه. في الوقت الذي يحتفي فيه الرأي العام بكتاب «رحلة في أعماق الهرم» للدكتور حاتم سليم؛ إذا بأنباء وردت من بعض قرائه تفيد بعدم مقدرتهم على التواصل معه. فيما صرح أحد المقربين منه بأن الدكتور حاتم قد ذهب في رحلة سياحية وأنه أبلغه منذ أيام برغبته في أن ينفصل عن الصخب بعض الشيء خصوصاً بعد صدور كتابه الأخير وحالة الجدل التي ثارت حوله وكثرة الاتصالات التي تلقاها في الفترة الفائتة. فيما تبنى أحد متابعيه وسماً على مواقع التواصل الاجتماعي أسماه (#من_حقه_أن_يستريح) في إشارة إلى أن الدكتور حاتم وإن كان ملك قرائه ومعجبيه ومتابعيه فهو أيضا يحتاج لأن يرتاح قليلا حتى يجدد نشاطه. وعلى جانب آخر رفض كثير من متابعيه هذا الوسم وطالبوا بظهوره علناً ليعلن هذا بنفسه وأنشأوا وسماً أسموه (#يقولها_بنفسه)؛ بينما رجح البعض أنه منهمك في الإعداد لكتاب جديد. وتسود حالة من الجدل والترقب حول أي من الوسمين سيستجيب إليه الدكتور حاتم. [جريدة الأيام 2023م]