الومضة الرابعة - [4]
دخلت سكرتيرة رئيس تحرير جريدة الأيام عليه لاهثة مرتعدة، سألها في فزع:
«ما بكِ؟»
لم تنطق وكأن لسانها معقود؛ ولكنها ألقت بالهاتف المحمول في يده كأنها تريد أن تتخلص من هذه المصيبة بأسرع ما يمكن، التقطه رئيس التحرير بتردد ووجل وهو يسألها هامساً:
«من؟»
كانت الكلمات مذعورة داخلها، فلم تكن أية كلمة تجرؤ أن تخرج من فمها من فرط رعبها، عرف رئيس التحرير من ملامح وجهها المحتقن من الذي يحدثه، فصمّ أذنه استعداداً لتلقى كل عبارات التوبيخ المتاحة على هذا الكوكب، ولم يخب تقديره فقد تلقى توبيخاً لم يسمع به من قبل، تشرّب كلّ هذا بسكينةٍ ظاهرة ورضاً مفتعل، لا يملك سواهما، ولمّا أحسّ بهدوء عاصفة التوبيخ بدأ يفتح أذنيه تدريجياً ليستمع، فتلقفت أذناه صوت مالك الجريدة المهندس كريم سامي وهو يقول بانفعالٍ انفجاري:
«إن إعادة فتح هذا الموضوع سيسيء إلى مجموعة شركات النجم المضيء.»
ثم تلوّن صوتُه ليحمل هدوءًا مفتعلاً وهو يضيف:
«خالد كان أحد أهم المهندسين لدينا، الكلام في هذا الموضوع ممنوع نهائيا ولا يتم إلا بعد الرجوع لمجلس إدارة المجموعة لتقدر حجم الضرر أو النفع الذي سيعود عليها منه.»
فقال له رئيس التحرير راغباً في تهدئته أكثر أو على الأقل الحفاظ على ما اكتسبه من هدوء:
«إن إبراهيم قد طلب الحصول على إجازة وقد وافقت عليها، ولن أسمح له بنشر شيء عندما يعود.»
«إجازة؟ لماذا؟ وأين سيذهب؟»
«أعتقد إلى شرم الشيخ، سمعته يقول هذا من قبل.»
كان رئيس التحرير يظنّ أن هذا الخبر سيهدئ من روع كريم لكنه على العكس اشتاط غضباً وسبه وأغلق الهاتف في وجهه.
ارتبك كريم أيما ارتباك على غير عادته، فعلى الرغم من أنه شخص انفعالي إلا أنه يتسم بثقة لا محدودة في نفسه يحسده عليها الكثيرون، ويرون أنها كانت السبب في تخلصه من أزمته المالية التي مر بها في غضون شهر ديسمبر من العام الماضي، وأنه لولا ثقته هذه لكان قد أفلس منذ ذلك الحين.
«كان يجب أن آمره بالتخلص من حاتم على الفور بدلا من تعطيل النظام الذي استغرق وقتا ويبدو أن حاتم استغله في إبلاغ إبراهيم.»
حدّث نفسه يلومها بعنف، ثم حاول استعادة ثقته في نفسه وفي قراراته فتدارك:
«ولكن حاتم شخصية معروفة ولابد من التعامل بحكمة مع الأمر.»
ثم ظهر الاغتياظ على ملامحه وهو يضيف محدثاً نفسه:
«ولكن لا مفر من التخلص منه أيضاً.»
ابتسم ولمعت عيناه وبدا منتشياً للغاية ثم قهقه بشدة وتلذذ وهو يدبر الطريقة التي سيتم التخلص بها من حاتم تماماً كما فعل مع خالد؛ وازدادت ضحكته انفجاراً لما تذكر خطة التخلص من خالد وهو يقول لنفسه:
«كانت خطة في منتهى الروعة والدقة.»
عاد الحزن يطفو على وجهه من جديد وهو يفكر:
«لقد وقعت في مشكلة أكبر الآن، فمَن إبراهيم طارق هذا الذي ظهر من العدم ويريد أن يفسد كل شيء؟ لا بد من التخلص منه أيضاً.»
ثم ازداد حنقا.
«الأمر هذه المرة ربّما لا يمر بسلام، ولكن لا مفر من التخلص من الجميع.»