الومضة الرابعة - [1]
الشخص نفسه الذي قابلاه قبل قليل بطوله الفارع وملامحه الحادة هو نفسه لم يتغير، ولكن ما تغير تماماً هو انطباعهما عنه، نظراتهما تكاد تنطق بالشك والريبة، ووضع جسديهما يوحي بأنهما متأهبان للاشتباك معه؛ بينما قابل هو تحفزهما بابتسامة ساخرة وهو يقول:
«أعتذر لكما.. في الحقيقة أنا لا أعرف إن كنتما قد حاولتما الخروج من هنا أم لا؛ لكنني متأكد من أنكما على الأقل لم تستطيعا فتح النوافذ أو استخدام الكهرباء بشكل كامل.»
ظلاّ صامتين غير مستوعبين فاتسعت ابتسامته أكثر وهو يضيف:
«كل شيء في الشاليه مصمم ليعمل فقط ببصمة أصابع اليد، ولقد نسيتُ أن أعيد ضبطه ليعمل ببصمات أصابعك بدلاً من بصماتي.»
حلّ الهدوء عليهما قليلاً بعد أن عرفا السبب وراء عدم تمكنهما من الخروج، ولكنّ حاتم بادره قائلاً:
«أشكرك ولكن ما هذا؟!»
قالها وقام برفع يده للأعلى وبها وثيقة الزواج ثم أعطاها له فتفحصها قليلا ثم قال:
«كيف حصلت عليها؟ هذه وثيقة زواجي.»
نظـــــرا إليه والشك يقفز من عيونهما فتدارك:
«آه هذه وثيقة زواجي الثاني.»
لم يعلقا على هذا بشيء ولكن حاتم أشار ناحية الباب الخلفي وهو يسأله:
«وما هذه الحفرة؟»
«أية حفرة؟! آه.. الحفرة.. ليست حفرة إنما سُلّم. في البداية كان مكان هذا الباب الخلفي جــدار، ثم قررت فتح باب في هذا الجدار بعد أن اشتريت الشاليه الملاصق وفكرت في أن أجعل هذا ممراً واصلاً بينهما ولكنني عدلت عن هذه الفكرة بعد أن قطعت شوطا في التنفيذ بتركيب هذا الباب وحفر الحفرة حتى تكون سُلّمًا أستطيع العبور منه إلى الشاليه الآخر ليفتح على باب موصل بالصالة هناك ولكنني فقدت الحماس لهذه الفكرة قبل أن أتمادى فيها أكثر.»
ابتلع حاتم كل هذا الشرح على مضض وبعد أن انتهى سأله:
«ولكن من الذي كان يقوم بالحفر؟»
«بعض العمال.»
صمت حاتم بعدها وفكر كثيرا هل يسأله أسئلة أكثر من هذه أم يكتفي بهذا؟! وفي النهاية طلب منه أن يعيد برمجة الشاليه حتى يستطيعوا استخدامه؛ فتوجه ناحية الباب الخلفي وقام بغلقه وأمسك رأس الأسد الذهبي بقبضة يــده فأضاء الباب كله بضوء برتقالي، ثم بدأت تظهر اختيارات بالأحمر، وكل اختيار محاط بدائرة لونها ذهبي؛ فضغط على نظام التشغيل الآلي ثم اختار ضبط البصمة ثم اختار حذف البصمة الحالية؛ واستدار إلى حاتم وطلب منه أن يقبض بيده على الأسد فـفـعـل، وضغط هو على تثبيت البصمة الجديدة ثم تأكيد ثم خروج؛ فعاد الباب لحالته الأولى؛ وانصرف مودعاً إياهما مكرراً اعتذاره عن هذا الخطأ غير المقصود.
تحرك حاتم سريعاً في كل الشاليه يُجرب البصمة ليتأكد من أنه يعمل بالبصمة فعلاً، فوجد كل شيء قد عاد طبيعياً، ووجد بعض المربعات البرتقالية المشابهة لكف اليد بدأت تظهر في أماكن ثابتة على الجدران؛ فضغط على أحدها بإصبعه فتحرك الجزء الملاصق للمربع من الجدار المُصمت وبرزت من داخله النافذة الزجاجية وظهر له اختيار فتح كامل فاختاره وبدأ الهواء يتدفق إلى الداخل.
وبالضغط على مربع آخر تمكن من البدء في شحن هاتفيهما، وعندها تذكر ذلك الهاتف المحمول الصغير الذي وجده في السترة داخل الحفرة، فأخرجه ونظر له وهو يقلبه في يده فوجده هاتفا بسيطا ويبدو بلا أهمية كبيرة، أو لا يوجد به الإمكانات التي تؤهله لحمل شيء مهم؛ ولكنه يريد فقط أن يعرف من مالكه ولماذا تركه في هذا المكان؟ حاول فتحه فوجد بطاريته فارغة، حاول شحنه فلم يستجب.. راقبته هالة لدقيقتين قبل أن تقترح:
«يمكنك أن تبحث عن كارت ذاكرة بداخله.»
بدأ يبحث عن أي منفذ يمكن أن تكون الذاكرة قد أدخلت من خلاله، فتوصل بالفعل إليها واستخرجها وهو يقول:
«أتمنى أن تكون صالحة للعمل.»
وبعد خمسة دقائق وضع كارت الذاكرة في هاتفه وبدأ بتشغيله.
بمجرد أن تركهما ذلك الشخص خلفه وخرج من الشاليه انطلق تجاه الشاطئ وبدأت ملامحه الحادة تزداد حدّة وهو يجري مكالمة هاتفية.
«الأمر خطير للغاية؛ لقد توصلوا لأوراق لا أعرف من أين حصلوا عليها؛ وثيقة زواج خالد عبد الرازق الحقيقية، وتوصلوا للحفرة الخلفية؛ أخشى أن يكونوا خطراً علينا؛ فماذا تأمرني أن أفعل؟»
«لا شيء فقط قم بتعطيل نظام التشغيل مرة أخرى وراقبهما حتى النهاية؛ وأنت تعرف جيداً ما عليك فعله بعد النهاية.»