الومضة الثالثة - [3]
سقطت الكرة الحديدية وسقط وراءها عـدّة أوراق تناثرت على الأرض؛ مجموعة من الأورق المكورة والمحشورة بغير نظام داخل الفجوة الموجودة خلف الكرة الحديدية وكأن من وضعها لم يكن لديه متسع من الوقت لفعل هذا بترتيب أو أنه شخص كسول؛ إنها خزانة حديدية مختبئة داخل تجويف الباب.
تبادلا نظرة الحيرة التي لا تخلو من هلع؛ تلك النظرة المعتادة في هذا المكان؛ ثم انكبّا مباشرة على الأوراق يجمعانها ويحاولان ترتيبها.
[الورقة الأولى]
عقد تنازل من المهندس كريم سامي إلى المهندس خالد عبد الرازق عن نصيبه في مجموعة شركات النجم المضيء مؤرخ 1/12/2022م.
«كريم سامي رجل الأعمال المعروف تنازل عن نصيبه لخالد؛ كيف هذا؟ هل سمعتِ بهذا الخبر من قبل؟»
«لا؛ ولكن الملفت للنظر فعلاً هو تاريخ هذا التنازل.»
«قبل اختفاء خالد بيومٍ واحد.»
«إذن الأمر أصبح واضحاً؛ هل عندك شك في هذا؟»
«هل تقصد أن خالد ضحية وليس هو المجرم؟»
هز حاتم رأسه مؤيداً لها وهو يقول:
«ويبدو أن لكريم سامي علاقة بذلك.»
قالها وشرع في فـرد الورق المتبقي في يده.
[الورقة الثانية]
مقصوصة من مفكرة! فارغة؛ إلا من كلمة واحدة مكتوبة في وسط الورقة وتبدو كأنها كانت بداية فكرة لم تكتمل.
منظمة
«منظمة! هل تفهم شيئا من هذا؟»
«لا؛ ويبدو أنه كتبها على عـجـل، ويبدو من طريقة كتابتها في وسط الصفحة ومن الدائرة التي وضع هذه الكلمة داخلها والفروع التي تشعبت عنها أنه كان يريد أن يرسم مخططاً تفصيلياً؛ يبدو أن الأمر ليس هيناً.»
[الورقة الثالثة]
وثيقة زواج المهندس خالد عبد الرازق والمهندسة فاتن صادق بتاريخ 20/10/2020م.
لولا أنهما قد تعودا على المفاجآت في هذا المكان لما كانت ردة فعلهما على ما يقرآنه بهذا الهدوء؛ ولكنه هدوء لم يخل من نظرة الذهول المختلط بالهلع المعتادة.
لم يغرق حاتم في التفكير وإنما قفزت أفكاره وتساؤلاته على لسانه رغما عنه:
«ما هذا؟ كيف يكون خالد وفاتن متزوجين منذ ثلاثة أعوام ويكون ابنهما الأكبر في الثامنة تقريباً؟»
«ابنهما؟!»
خرجت تلقائيا من هالة بنبرةٍ ساخرة.
توقف حاتم عند وثيقة الزواج طويلاً يدقق النظر في صورة كل من خالد وفاتن.
الصورة باهتة بعض الشيء لكن ملامحهما مازالت واضحة، ظـلّ ينظر للصورتين بتركيزٍ شديد فقفزت مقلتا هالة معه تتفحصهما.
«لا يمكن أن يكونا هما اللذين قابلناهما قبل قليل.»
لم يرد حاتم عليها واكتفى بزمّ شفتيه وهو يفكر في أن كل شيء قد تغـيـر، وكل المعطيات اختلفت تماماً.
«إذن خالد ليس مجرماً ولا باحثاً عن آثار كما توقعت؛ بل هو ضحية.»
قالتها وهي محبطة نتيجة انهيار كل توقعاتها السابقة، ونتيجة إحساسها بالخطر المتزايد.
«ولكن لابد أن خالد ارتكب خطأ ما ليواجه هذا المصير.»
«أتمنى ألا نكون قد ارتكبنا خطأ مماثلاً!»
لم تكد تمضي لحظة واحدة حتى صدمهما صوت جرس الشاليه وهو يرن؛ من الذي يرن الجرس وكيف؟! لم يستغرقا كثيراً في أسئلة من هذا النوع؛ فرغم كل دهشتهما وصدمتهما نهض الأمل في صدرهما وتجلى في نظرتهما فنهضا سوياً بسرعة؛ شخصٌ ما يرن الجرس وهي فرصة لا تعوض للخروج من هذا المكان، وانطلقا يستبقان الباب بخطوات سريعة ولكنهما توقفا قبل الباب بمترين وتساءلا فيما بينهما:
«كيف سنفتح له والباب لا يُفتح؟»
«ليس مهماً؛ المهم أن شخصاً ما بالخارج ويمكننا الاستعانة به.»
تساءلا بصوت مرتفع في وقت واحد:
«من؟»
«أنا .. أنا خالد.»
صدمهما ردُّه فتراجعا خطوتين كأن اسمه قد دفعهما للخلف؛ فكر كل منهما في نفسه:
«ماذا يجب أن نفعل وكيف يمكن أن نتصرف في هذا المأزق؟ هذا الشخص هو الذي تتعلق عليه آمالنا في الخروج من هنا ولكنه ينتحل شخصية شخص آخر، فهل يمكن الوثوق به؟»
على كل حال لم يمهلهما هو وقتاً أكثر للتفكير وإنما بادر قائلاً:
«هل يمكنني أن أدخل؟ أعلم أنكما لا تستطيعان أن تفتحا الباب.»
تساءلا في نفسيهما عما يعنيه وكيف عرف أنهما لا يستطيعان فتح الباب.
«أعرف أنكما تتعجبان من هذا سأدخل وأشرح لكما كل شيء.»
لم يكد يفرغ من كلمته الأخيرة حتى وجــدا الباب الحديدي الثقيل يتحرك ووجداه أمامهما.