الومضة الثانية - [3]
جلس إلى جوارها يُفكر وقد تسلّل التوتر إلى قدمه اليمنى مرة أخرى فعادت تهتز من جديد، ثم استدار ناحيتها قائلاً في رفق:
«هالة! أنا أقدر خطورة الموقف الذي نحن فيه، لن أكلمك عن الإيجابية ولا التفاؤل، ربما أنا متأكد أكثر منك أن الشواهد كلها ليست مطمئنة، ويبدو أننا تم احتجازنا هنا بالفعل.»
«يبدو؟!»
قالتها بنبرة يأس ساخرة.
«نحن محتجزون في هذا المكان، وأنتِ تقولين لا بُـد أن نفعل شيئاً، وأنا أسألك ما هو هذا الشيء الذي يجب أن نفعله؟ هل سنجلس هكذا مكتوفي الأيدي؟!»
توقّف فترة عن الكلام مفسحاً لها الوقت لتجيب، بينما ظلّت هي تفكر وتسأل نفسها:
«ماذا يمكن أن نفعل؟»
لم تجد إجابة منطقية فآثرت الصمت، فواصل هو قائلاً:
«هالة! إلى الآن لم يُصبنا مكروه، ولكن لن ننتظر حتى يصيبنا، صحيح أنا لا أفهم ما هذا المكان ولا أعرف لماذا لا يمكننا مغادرته، ولكن ما زال بإمكاننا فعل الكثير، على الأقل يمكننا البحث في الشاليه نفسه عن أي شيء؛ أي شيء مهما كان صغيراً يمكن أن نفهم منه ما يجري؛ أي شيء يمكن أن يبين لنا طبيعة هذا الشاليه أو طريقة الخروج منه، وأعتقد أننا لا نملك أكثر من هذا، فما حدث قد حدث؛ هل عندكِ حل آخر؟»
تفكّرت هالة في كلامه، ومضت دقيقتان وهي تقلّب الأمر في رأسها، حتى تيقّنت بأنه على صواب وأنه لا يوجد حل آخر، وأن غضبها لن يغير الواقع، وبكاءها لن يفيد في شيء، فبدأت تهدأ رويدا رويداً، وبدأ هذا الهدوء يطفو على ملامح وجهها وهي تقول:
«معك حق.»
وعندها أدرك حاتم أن أول خطوة رسمها في سبيل حلّ الأزمة التي يمران بها قد نجحت وهي استعادة الهدوء أولاً وقبل أي تصرف، فالتقط الكلمة الأخيرة من فمها وأدرك أنه من الممكن أن يبُثّ مداعبة تلطف الجو بعض الشيء، فابتسم وهو يقول:
«أنا دائماً معي حق.»
لم ترفض هالة مداعبته هذه المرة وإنما قابلتها بمداعبة أخرى فقالت:
«كلمتك هذه هي التي ستقضي علين.»
ثم ابتسمت وأحسّت كأن الحياة تدبُّ في جسدها من جديد، فنهضت واقفة كأنها نبتة خضراء تشق أرضاً قاحلةً لتخرج للنور أو على أملٍ بأن ترى النور؛ شـدّ حاتم على يدها فوقفت إلى جواره كأنها تعلن الانضمام إليه.
قرّرا أن يقلبا الشاليه رأسا على عقب، بحثاً عن أي شيء يمكن أن يهديهما إلى معرفة سبب ما يحدث معهما في هذا المكان الغامض، واتفقا على مبدأ ثابت منذ البداية؛ وهو ألا يفترقا.
أخذا يفتشان سوياً في الصالون، ثم تحت الكراسي والطاولة وخلف التلفزيون، ثم توجها سوياً إلى المطبخ يمشيان بحذرٍ شديد كأنهما يطآن زجاجاً أو يسيران على شوك، فرغا من المطبخ والحمام وعادا فصعدا إلى الطابق العلوي ونقّبا في كل مكان فيه ولم يصلا إلى شيء ذي بال.
نـزلا إلى الأسفل وكررا البحث مرة أخرى فلم يجدا شيئاً؛ وفي اللحظة التي بدأ اليأس يتغلب فيها لمحا شيئاً لامعاً، فتوجها إليه وهما يمشيان سوياً كتفاً بكتف وبخطوات ثابتة كأنهما في عرض عسكري.
باب موصد.. ذو مقبضٍ ذهبي.. منحوت على شكل أسد.