الومضة الأولى - [4]
قاربت الساعة على الثالثة وخمسة وثلاثين دقيقة فجراً بينما يوسف ونادر مازالا يجلسان على الرمال أمام البحر مباشرة يتنعمان بالهدوء؛ هما في معزلٍ عن العالم وصخبه وضوضائه، وحتى عـمّا يجري مع أصدقائهم داخل الشاليه.
جعلا يتبادلان أطراف الحديث؛ وبينما يوسف مستلقٍ على ظهره ناظراً للقمر، خُيل إليه أن لونه أحمرٌ دموي، وهو في الحقيقة برتقالي مائلٌ للحُمرة، استرعى هذا الشكل الدموي للقمر انتباه يوسف، فبادر بسؤال نادر عنه؛ فأجابه:
«هذا هو قمر الذئب الدموي العملاق.»
«وماذا يعني هذا؟!»
«لا شيء؛ فقط خسوف كلي للقمر يحدث عندما يتعامد القمر مع الشمس والأرض، فيصطبغ باللون الأحمر.»
«فقط خسوف؟!»
خرجت كلمة خسوف من فم يوسف مصحوبة بتنهيدة طويلة كأنه اطمأن.
ثم استمر نادر قائلاً:
«ولكن البعض يربط بين هذا الحدث وبين أحداث مهمة قد تصاحبه؛ بعضهم يردد أقوالاً عن تغيير جذري في الشرق الأوسط، بعض الشعوب تدّعي أن انتصاراتهم تحدث بالمزامنة له، وهناك من يقول إن هذا الحدث يشير إلى نهاية العالم!!»
«نهاية العالم!»
رددها يوسف خلفه بتأمل ثم أضاف:
«لا أهتم لهذا الأمر كثيرا، ولا تعنيني نهاية العالم، فالشيء المؤكد هو أن الإنسان نفسه ينتهي ومن الأفضل له أن يهتم لنهايته، والتي هي أقرب له من نهاية العالم.»
مضت بعدها دقيقتان من الصمت ويوسف غارقٌ في تأملاته وهو ما يزال محدقاً في القمر الأحمر، ثم استدار بغتةً واتكأ على يده اليسرى مواجها لنادر، وسأله:
«ولكن، لماذا لا تؤمن بالخالق يا نادر؟!»
«الخالق؟! الخالق يعني أنه هو من أنشأ شيئاً لم يكن موجوداً من قبل، فماذا أنشأ الخالق حتى نؤمن به؟»
أجابه يوسف:
«أنشأني وأنشأك.»
احتد نادر:
«هذه مغالطة يا عزيزي، نحن نشأنا نتيجة تطور الكائنات الحيّة؛ تطوّرنا إلى أن وصلنا إلى هذا الشكل الذي نحن عليه الآن، وهذا التطور استغرق ملايين السنين؛ فأين الخالق في كل هذا؟»
«سأسلم معك بأننا تطورنا ولكن من أي شيء حدث هذا التطور؟»
«بالطبع من الخلية الأولى.»
«جميل... إذن فيبقى السؤال كما هو من أين جاءت الخلية الأولى؟!»
«تكونت تلقائياً ودون تدخل من أحد.»
«ولكن الخلية معقدة للدرجة التي يستحيل معها أن تتكون تلقائياً أو بطريقة عشوائية؛ فالخليّة الحيّة بشكلٍ عام يا صديقي رغم أنها متناهية في الصغر إلا أنّها عالمٌ قائمٌ بذاته وهي تشبه مجموعة من المصانع بداخلها شفرة معلوماتية، وبرمجة واتصالات وتعليمات وأوامر غاية في الدقة؛ فالخليّة الحيّة هي بناء أشد تعقيداً من كل الآثار التي شيدها الانسان؛ فكيف لكلّ هذا النظام المُعقّد أن ينشأ بالصدفة؟»
دقق يوسف النظر في وجه نادر فرآه يتأمّل فيما يقوله مفكراً، فأتاح له قليلاً من الوقت والصمت ليفكر فيما سمع، ثم أضاف بعد برهة:
«وإذا أحببت نفي هذا فلا مانع عندي؛ ولكن لابد أن تجيب على تساؤل آخر: هناك في الأمد البعيد وقبل مليارات السنين كيف ومن أين أتت الغازات التي تفاعلت مع بعضها لتوجد الخلية الأولى؛ الأمونيا والميثان والهيدروجين، وربما غازات أخرى؟ من أين أتى الماء؟ من أين أتت الشحنة الكهربية الأولى المسماة بالبرق؟ بل لماذا تضافرت جهودهم جميعا لإنتاج كائن حي؟ وكيف تراكبوا بالدقة المطلوبة لإنتاج أحماض أمينية بالقدر اللازم لإنشاء بروتينات تصلح لإنشاء خلية، وأحماض نووية ريبية RNA لازمة لوجود هذه الخلية؟ كيف حدث كل هذا؟ هل يمكن للصدفة أن تفسر هذا التناغم العجيب؟»
قرر نادر أن يخرج عن صمته فتساءل:
«ولكن! ماذا لو استطاع العلماء صناعة خليّة حيّة من مجرد تفاعلات كيميائية وبدون تدخل؛ ألا يُعد هذا دليلاً على أنّ الخلية الأولى نشأت من مجرد تفاعلات كيميائية أيضًا ولا وجود للخالق وقتها؟»
«بل العكس هو الصحيح؛ فلو استطاع العلماء إيجاد خلية حية من مجرد تفاعل مواد كيميائية دون تدخل؛ فإن هذه التجربة ذاتها التي قاموا بها ستكون هي السبب في وجود هذه الخلية الحية؛ وبالتالي فإن من سيقوم بإجراء هذه التجربة وتحضير مكوناتها وتهيئة الظروف المناسبة لتفاعلها مع بعضها سيكون هو الذي صنع هذا الكائن الحي؛ وبالقياس على ذلك فلابد أن يكون التفاعل الكيميائي الأول الذي حدث على الأرض وراءه صانع.»
بدا نادر شديد التركيز، وانطبع ذلك على وجهه حيث تدلى حاجباه للأسفل بشدة، ومُـطّت شفتاه للأمام وضُيّقت عيناه حتى كادتا تنغلقان، فظهر وجهه وكأنه يتضاءل من فرط تركيزه، وبعد فترة صمت وسكون قال:
«ولكن! يمكنني أن أقول لك يا يوسف من أين أتت الغازات والماء والبرق في البداية؛ بل يمكنني أن أقول لك من أين أتى الكون نفسه والتي هي كلها جزء منه.»
«جميل جداً... ومن أين أتى الكون؟»
«من لا شيء! كل هذا الكون الذي تراه نشأ من الفضاء الفارغ دون أن يقوم أي أحد بإيجاده.»
قالها نادر ببساطته المعهودة ولكن رده هذا لم يُثـر حفيظة يوسف إنما فقط سأله مستفهماً:
«ولكن هل تظن أن إجابتك هذه أنهت المسألة؟! بالعكس لقد أضافت سؤالا جديداً هو: هل الفضاء الفارغ هذا كان ساكنا أم كانت فيه حركة؟»
«أعتقد أنه كان ساكناً بلا حركة.»
ابتسم يوسف وهو يقول:
«يا صديقي! إذا كان الفضاءُ الفارغ في بدايته ساكناً كما تقول بينما الكون الذي نراه الآن متحرك بل يعج بالحركة؛ إذن فقد تحول الفضاء الفارغ الساكن في زمنٍ ما من السكون إلى الحركة وهنا سؤال يطرح نفسه: من أين جاءت الحركة الأولى؟ ومن الذي قام بها؟»
تحيّر نادر برهةً من الزمن وبدا مشتتاً وكأن أفكاره تتلاطم كموج في ظلمات بحر بداخله بركان يفور؛ ثم نطق بحذر وترقب:
«ربما كان ذلك الفضاء الفارغ فيه حركة في ذاته.»
«إذن لم يكن فضاءً ولم يكن فارغاً! يا صديقي في الحالتين الحقيقة واحدة سواء نشأت حركة من سكون أو كانت الحركة موجودة ذاتياً في الفضاء الفارغ؛ ففي الحالتين يبقى التساؤل كما هو: من أين جاءت هذه الحركة؟»
أطرق نادر إلى الرمال التي اكتست تماماً بلون برتقالي مائل للحمرة؛ وبدأ يتسلل إلى نفسه شعور بعدم منطقية فكرته؛ عصر ذهنه كثيراً حتى يحصل على أية إجابة مقنعة لهذ التساؤل فلم يجد إلا إجابة واحدة «الخالق»؛ ولكنه هـــزّ رأسه بعنف كأنه يريد أن يطرد هذه الفكرة منها؛ ثم رفع رأسه قليلا ونظر إلى يوسف فوجده ما يزال منتظرا إجابته؛ فقرر أن ينهي الحوار عند هذا الحد بقوله:
«الآن لا أعرف، ولكن يوماً ما سأعرف.»
تبسّم يوسف وهو يمازحه قائلاً:
«(احذر جزيرة يوماً ما) لقد ذكرتني الآن يا صديقي بتلك الجزيرة الخيالية في البحر التي يسميها الكاتب الإنجليزي دينيس ويتلي بجزيرة يوماً ما؛ حقاً لقد كان ستيف تشاندلر على حق في كتابه مائة طريقة لتحفيز نفسك عندما قال إن الكثيرين يعتقدون أن مباراة الحياة لا نهاية لها؛ وأنا واحد من هؤلاء. فهل تظن أنك واحد منهم أيضاً؟»
«ربما.»
قالها نادر وهو يشاركه التبسم؛ ولكنّه تبسم مجهد بعد يومٍ شاقٍ من السفر والسهر والحوار الطويل. رغب كلاهما في الراحة، فنهضا ليدخلا إلى الشاليه ليرتاحا قليلا قبل أن يدركهما ضوء النهار الذي بات وشيكا، وقد بدا ذلك واضحاً على القمر الدموي الذي بدأ يحزم أمتعته ويرحل.
وقف كلاهما وبدءا في مـطّ جسديهما لتجري فيهما الدماء بعد جلسة طويلة، وأثناء ذلك استرعى شكل الشاليه انتباه نادر وكأنه لم يره من قبل؛ فللمرة الأولى ينتبه إلى أن الشاليه ذو شكل هرمي، أو كأنه نسخة مصغـّـرة من أحد أهرامات الجيزة الثلاثة، أو ربما هو أحدهم فــرّ من الحر الشديد وجاء يمضي بعض الوقت على شاطئ البحر، ابتسم نادر لهذه الفكرة.
ولكنّه أيضاً فهم في هذه اللحظة التساؤل الذي طرأ على ذهنه بعد أن قرأ وصف الشاليه على الانترنت وهم في طريقهم إليه «لماذا بالطابق السفلي من الشاليه يوجد ثلاثة غرف والمطبخ والحمام والصالون، بينما الطابق العلوي لم يكن فيه سوى غرفتين فقط»، أدرك عندها أن هذا راجع إلى أن تصميم الشاليه على شكل هرم يجعله واسعا من الأسفل ضيقا من الأعلى.
دارت هذه الأفكار برأس نادر في لحظة سريعة، وانتشى لأنه وجد الإجابة، ولكنها أثارت بداخله سؤالا آخر «لماذا بُني الشاليه على شكل هرم بالأساس؟» لم يجد إجابة مناسبة فأرجأ التفكير في هذا الأمر من شدة إرهاقه وتعبه، ثم خطا هو ويوسف خطوات ثقيلة نحو الشاليه، وتركت أقدامهما علامات وآثار عميقة في الرمال حتى اقتربا من باب الشاليه، وللمرة الأولى كذلك يلاحظ نادر الأسد والثعبان والفأر المذعور على واجهة الشاليه، فسأل يوسف عنهم؛ ولكن يوسف كان مرهقا للدرجة التي منعته من الإجابة أو التفكير أو أن يظن حتى أن هذا أمراً يستحق الاهتمام.
دلف نادر ويوسف إلى داخل الشاليه، وجدا هدوءًا مبالغاً فيه، كل الأنوار مطفأة، كل أجهزة الكمبيوتر المحمول كذلك، وكل الهواتف المحمولة أيضاً؛ ولكنه هدوء طبيعي.
فقال يوسف لنادر ساخراً:
«يبدو أن إبراهيم ومحمود ووائل يغطون في نوم عميق.»
ابتسم نادر وقال له:
«ما رأيك أن نوقظهم ثم ننام نحن؟»
«وماذا سنقول لهم بعد أن نوقظهم؟ أنت تعلم أنهم مرهقون ولو أيقظناهم لأوسعونا ضربا من الذي يحبه قلبك.»
«أنا مستعد. سأقول لهم استيقظوا حتى تناموا وسأهرب على الفور.»
فكّر يوسف في الأمر فوجد أنهما اللذان سيخسران من هذا المقلب، فهما لم يناما بعد وفي شدة الإرهاق؛ بينما الآخرون قد ارتاحوا ولو قليلاً، فنهاه عن ذلك وقال له:
«لا مانع لديهم من معاقبتنا بمنعنا من النوم حتى المساء القادم.»
طرح نادر الفكرة من رأسه، وأشعل ضوء كشاف هاتفه المحمول، وشرع يتحرك تجاه الغرفة التي سينام بها، ويوسف كذلك؛ إلا أنهما للحظة سمعا ثلاث طرقاتٍ خفيفةً على باب الشاليه، استدارا وتبادلا نظرة حائرة متسائلة لم ير كلاهما فيها سوى عينَيْ صديقه على ضوء الكشاف؛ ولكنهما تحركا ناحية الباب سويا، وفتح يوسف الباب ونظر فلم يجد شيئاً، فهمّ بإغلاق الباب لولا أن نادر أوقفه وقال:
«لا بد أن أحداً طرق الباب... الصوت واضح جدًا، سأخرج لأرى من هذا.»
«سآتي معك.»
خرجا سوياً من الباب يمشيان بقوة كأنهما ما كانا يريدان النوم منذ ثوانٍ، وكأن روحا جديدة بُـثّـت فيهما؛ نظر يوسف للرمال بدقة وصوّب كشاف هاتفه تجاهها فتبين له أنه لا يوجد أثر أقدام سوى آثار أقدامهما، فازدادت حيرتهما مما يجري.
قررا دخول الشاليه، وبعد أن صعدا درجات سُلم الشاليه التي لا تتعدى الثلاث درجات وقفا وأصابهما الذهول؛ فآثارُ أقدامهما على الدرجات مضيئة، والذي صدمهما أكثر أنها مضيئةٌ بلون برتقالي مائل للحمرة، ظنّا للحظة أنها آثار دماء؛ إلا أنهما تمعّنا فيها جيداً فبدت لهما واضحة، تبادلا نظرة خاطفة وقالا في صوت واحد:
«القمر الدموي!»
ثم صمتا برهةً من الوقت... انحبست أنفاسهما... حاولا التحرك من مكانيهما دون أن يُفلحا... بـدأ اللون البرتقالي المائل للحمرة يغزو جسديهما في آن واحد تلونت رجلاهما به أولاً ثم اكتسى به سائر جسديهما.
تبادلا آخر نظرة كلها هلع... وكلاهما يرى عينَيْ صديقه برتقالية حمراء ولا يستطيع أن يفعل شيئاً ولا يدري ماذا أصابهما.
أصبحا عبارة عن كتلة برتقالية حمراء ثابتة أمام باب الشاليه.. عينا كليهما في عين صديقه.. جسداهما متخشبان.. كأنّهما قد تم تحنيطهما للتوّ.. أو ربّـمـا تم تحنيطهما بالفعل.