الومضة الأولى - [2]
[2]
السُلّمُ الخشبي الذي يربط الطابق العلوي بالسفلي ملتوٍ كأنه ثعبان، وبالأدق إذا أتيحت الفرصة لرؤيته من مكانٍ بعيد بحيث تُرى صورة كلية فلن يُرى سوى هذا الثعبان القابع على أحجار الشاليه من الخارج، هـو نفسه؛ ذيله بالأسفل وبالأعلى فمه وكأن بقية الممر الواصل بين السلم والغرف العلوية هو لسانه.
وقف وائل على أول درجة من درجات السُلّم، وبدا متأهباً للنزول، لكنّ شيئا استوقفه؛ إذ خُيـّـل إليه أنه يرى ثعباناً فاغراً فاه، دقق النظر فإذا بكساء قشري لأحد الثعابين الصغيرة ملقىً على الأرض، عاد إلى الخلف خطوتين، قطّب جبينه حتى كاد حاجباه يتلامسان من فرط تركيزه، جـثـا على ركبتيه متأملاً، بدأ يُحدث نفسه بصوت أقرب للتمتمة:
«تصميم السُلم غَريب!!»
انتبه لوضع جسده وهو مطرقٌ للأرض وكأنه يتكلم مع السُلّم فابتسم؛ خشي أن لو رآه أحد أصدقائه فلن يسلم من سخريتهم طوال الدهر، نفخ كساء الثعبان الصغير فتبدد في الهواء كأنه ما كان ثوب ثعبان إنما بعض بقايا ورقٍ محترق، انتفض واقفاً وخُيّل إليه للحظة أن السُلم انتفض كانتفاضته؛ لكنه أزاح هذا التصور سريعًا من مخيلته بكل بساطة.
أقدم وائل على النزول، وهو يقلّب الأمر في رأسه، ويتعجب من مصمم هذا السلم، والسبب وراء هذا التصميم. وضع قدمه اليمنى على أول درجة، فسمع صوتاً خافتا للغاية، شعر أنه سمع هذا الصوت من قبل، ربما سمعه عند صعوده السلم أول مرة؛ صوتٌ يشبه فحيح ثعبان مكتوم، استقرت قدمه على السُلم فأتبعها الأخرى، وبدأ في النزول وهو لا يُلقي بالاً للصوت الذي سمعه، ولا لتلوّي السُّلم تحت قدميه، فالطبيعي أن مثل هذا السلم الخشبي لا بد أن يصدر أصواتاً بمضي السنين؛ بل من حقه أن يعزف سيمفونية حزينة.
ما إن وصل وائل إلى منتصف السلم عند المنطقة الملتوية حتى ظنّ أن هذا السلم قد ابتلعه، ابتسم من هذه الفكرة التي راودته وهو يتابع النزول إلى أن وصل لآخر درجة، حاول حينها أن يضع قدمه على أرض الطابق السفلي فلم يستطع، أحسّ بوجود حاجز خفيّ يمنعه من ذلك، عاود محاولة إخراج قدمه من السلم فلم يمكنه ذلك، كرّر هذا الأمر أكثر من مرة دون فائدة، صعد مسرعاً للأعلى وفوجئ بعدم تمكنه من مغادرة السلم لا من الأعلى ولا من الأسفل، أيقن أنه قد تم حبسه في هذا السلم، أخذ يُفكر في حلّ، أخرج هاتفه المحمول من جيبه، اكتشف أنه ليس به إشارة، حاول الاتصال بالطوارئ فلم يستجب الهاتف.
راح يصعد وينزل أكثر من مرة رغماً عنه وفي كل مرة يحاول الانفلات من السُلم حتى أُجْهِد جسدُه من كثرة النزول والصعود على الرغم من عضلاته المفتولة ولياقته البدنية العالية.
أحسّ أن جانبي السلم الخشبي بدءا يضيقان عليه ويتسعان، ينقبضان وينبسطان؛ أحس بدُوارٍ أصاب رأسه، وعلى الرغم من قوة تحمله؛ إلا أنه لم يصمد سوى خمس دقائق، وخمس دقائق كافية لأن يفقد الوعي تماماً أو إلى الأبد.